الخميس، 18 أغسطس 2022

أفكار عشوائية حول قضية المرأة

 تطورت وجهة نظري في قضية المرأة على أكثر من مرحلة .. حيث بدأت بمجموعة من الصديقات الذين وجدوا بعض الحرية ومروا بالعديد من التقلبات الفكرية في مرحلة الجامعة قادتهم الي خلع الحجاب لأنه لم يعد يناسب رغباتهم وقناعتهم، وكنت بستغرب بحكم مفاجأة التغيير لكن البيئة التي كنا فيها علمتنا أن نحترم رغبات الآخر .. لكني كنت أعلم أيضا أن غالبية المجتمع الذي نعيش فيه يصم من تقوم بذلك بال***** بشكل مباشر .. ثم بدأت في هذه المرحلة تنتشر بعض الصفحات والحسابات الشخصية التي تتحدث عن القمع والظلم الذي تتعرض له النساء في دولنا العربية خاصة السعودية والعالم أجمع .. من التحرش والعنف المنزلي إلي عدم الأمان في الشارع وأماكن العمل والتدخل في كل شئون الفتاة .. وكان ذلك يكفي بالنسبة لي لأدرك حجم الظلم الواقع على المرأة خاصة في عالمنا العربي وكانت التجارب الشخصية مع من أعرفهم من فتيات عما تعرضوا له على مدار حياتهم من ظلم تكفي لأي ذو ضمير وعقل أن يعلم أن هذا ليس ميزان العدل .. ف أبسط مثال كيف ترى زميلتك في الدراسة تجتهد وتدرس وتسهر وتشتغل وتتمرمط مثلك تماما لمدة ٥ أعوام وقد تفوقك في الأداء ثم تعطي نفسك السلطة أن تضع أي قيود على الطريقة التي تختار أن تعيش حياتها بها زي تقعد ف البيت ولا تشتغل ولا تشتغل ايه ولا ولا .. طبعا الأمر من حيث التفصيل سيكون فيه نقاش أوسع لكن من حيث المبدأ أثبتت النساء كفاءة في كل المجالات تقريبا لا تدع مجال للشك.


ولكن النقلة الحقيقية حدثت عندما درست القضية من منظور  علمي تنموي .. فقد وجدت أن حجم القمع والظلم الذي تتعرض له المرأة أكثر مما قد تستطيع استيعابه من تجاربك اليومية وحدسك فقط .. فمن يستطيع ان يتصور ان حوالي ثلث النساء الذين يمارسون حياتهم بشكل طبيعي حولك يوميا تعرضوا للتحرش الجنسي من احد افراد أسرتهم على الاقل مرة واحدة؟! بالتأكيد أصبح ذلك أسهل بعدما رأينا أكثر من شاب يقتلون فتيات يدعون حبهم في وضح النهار .. هذا أكبر دليل أن هذه لم تكن علاقة حب وانما علاقة امتلاك كما يشعر غالبية الرجال في هذا المجتمع تجاه المرأة سواء زوجته أو ابنته أو اخته أو حتى واحدة بيحبها وملوش كلمة عليها ويمكن زميلته في الشغل.


لكن اذا خرجنا من الميدان العام وما يراه الناس للطريقة التي يحلل بها المتخصصين موقف المرأة فإنهم يعتمدون على ٥ عوامل في تقييم الوضع العام للمرأة: 

- الصحة العامة للمرأة .. خاصة الصحة الإنجابية 

- الفرص المتساوية مع الرجل في التعليم .. والذي يتم قياسه في كافة المراحل التعليمية 

- التمكين الاقتصادي .. والذي يهتم بمدى تهيئة البيئة لمشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي ووجود سيدات في مناصب ادارية متنوعة

- التمكين السياسي .. والذي يعتمد على حجم المشاركة السياسية الحقيقية للمرأة ووجودها في المناصب السيادية

- واخيرا الوكالة .. وهي قدرة المرأة على اتخاذ قراراتها بذاتها وهذه تبدأ من الخروج من المنزل أو الذهاب الي الطبيب والذي بالمناسبة المرأة العربية تحديدا لا تستطيع ان تفعله حتى اليوم في الاماكن المحافظة اللي هي تقريبا العرب كلهم .. وتمتد ايضا للسفر للخارج .. احنا لسه في مرحلة ان السعودية بتقول للستات يعني خلاص هنسفركم من غير محرم.

كل عامل من هؤلاء له الكثير من المؤشرات التي يستخدمها المحللون في تقييم وضع المرأة يمكن أن ترى واحدة من أهم تجميعات البيانات عن أوضاع المرأة في كل دول العالم هنا 

https://genderdata.worldbank.org/indicators/

لكني سأذكر واحد فقط سيدلك على مدى البؤس الذي نعيش فيه .. احد المؤشرات الموجودة هنا هو "نسبة النساء الذين يظنون أن من حق الزوج ضرب زوجته" وقد كانت نسبة هؤلاء في مصر ٣٥٪ في عام ٢٠١٤ .. رقم صادم بالطبع لكن ما أظنه أن هذه النسبة قد تكون قلت بشكل ملحوظ بعد الزخم الذي حدث مؤخرا في المجتمع المصري حول قضية المرأة.


حاولت من أول المقال أن أوضح مدى الظلم الذي تتعرض له النساء وأنه ليس هناك صاحب ضمير يرضى بذلك لأي إنسان .. ولكن هناك جانبيين سلبيين أريد أن اناقشهم في سياق حقوق المرأة قبل أن انتهي:

الأول يتعلق بالحراك نفسه وأهدافه ومتطلباته .. وبالطبع من السذاجة التعامل مع الحراك النسوي أنه كيان واحد .. لكن الextreme feminists يدعون للمساواة الكاملة مع الرجل وتجدهم أكثر الغاضبين .. في حين أن علم النفس وجد بالفعل أنه كلما حصل الرجل والمرأة على فرصة أكبر للاختيار الحر في اختيار مجال العمل مثلا كلما زادت الاختلافات بينهم في اختيارتهم 

https://www.scientificamerican.com/article/when-times-are-good-the-gender-gap-grows/

ولأكون صريح كان طرح ساذج القول بأنه بالرغم من كل العوامل البيولوجية والاجتماعية والتربوية التي تأثر ف رغبات الأفراد أن نقول أن الجوانب الاجتماعية فقط هي اللي بتأثر .. وأنه لو حصلت المرأة على نفس الفرص مثل الرجل ستزول الفجوة بينهما.


الأمر الثاني أنه بالتزامن مع تصاعد أصوات النساء للمطالبة بحقوقهم هناك العديد منهم من لا يهتم حتى لأمر النساء الأخريات ولكنها تهتم فقط بأن تفعل ما تريد مهتمة فقط بالتعبير عن غضبها كأنه لم يظلم غيرها ويجب على العالم كله ان يقف دقيقة حداد على الموقف اللي حصل معاها .. على استعداد أن تهدم أي قيمة أخرى سواء كانت أسرة أو جواز أو غيره في سبيل ما تريده كأي انسان تافه وجد غطاء في حراك معين وانضم له بحكم الظلم الذي وقع عليه أو أيا كان ما حدث له في حياته .. وهؤلاء موجودون في كل حراك مجتمعي وهي دي ضريبة قرون من الظلم والقمع واليأس كما أنها نتيجة طبيعية للمد الليبرالي الذي يحدث في أوساط الشباب تحديدا من بعد ثورة يناير .. ولكن هذا موضوع ربما يحتاج إلي مقال آخر منفصل. 


بين الظلم الشديد والقهر وانقلاب المجتمع رأسا على عقب يجب أن نجد أرضا وسطا بين الظلم البيّن وانفراط الأسرة والمجتمع.

الأحد، 5 يوليو 2020

تأطير ‏أزمة ‏التحرش

في ظل الصراع الشديد الذي يدور حول التحرش في مصر الآن أظن أنه من أهم الأشياء التي نغفلها هو تكوين إطار نظري يصلح لاستبدال الإطار الحالي الذي يعود لعصور سحيقة ويكون في نفس الوقت مراعيا لأن هذا المجتمع مازال مجتمع مسلم مختلف عن المجتمعات التي بدأت عندها قضية المساواة بين الرجل والمرأة، خصوصا فيما يتعلق بالأشياء التي يجب ترسيخها في العقل الباطن للمواطن المصري على أنها أسباب التحرش الجنسي.

لكي يحدث ذلك يجب ألا يقتصر الحديث على الكلام المرسل حول أسباب ظاهرة التحرش؛ كل يدلو بدلوه، خصوصا في عصر المعلومات حيث أصبح من السهل التحقق من كل رأي بالأرقام والحقائق الموضوعية، سواء كان ذلك نوع العنق الذي يتعرض له النساء أو أسبابه أو نسبه في كل مرحلة عمرية وغيرها من الأرقام التي تسهل جدا إيجاد استنتاجات موضوعية عن الأسباب والحلول واتخاذ الإجراءات القانونية لعلاجها إذا كان هناك رغبة في ذلك.

للأسف لم يستطع رجال الدين حتى هذه اللحظة الاستفادة من هذه الإمكانيات وظل خطابهم مبني على فرضيات عتيقة حول طبيعة الإنسان وفطرته والنفس الأمارة بالسوء وغيرها، فظلوا عاجزين عن تقديم حلول عادلة مرضية أقربها للصواب هو محاولة الأزهر الوقوف بجانب المرأة قليلا عن طريق إثبات الجريمة على المتحرش ونفي العلاقة بين التحرش وملابس المرأة والذي يعتبر تطور كبير في الخطاب الديني.

كذلك لا يستطيع أغلب المنظرين لحقوق المرأة في الوقت الحالي تقديم حلول عملية للمشكلة لأن حقوق المرأة بالنسبة لهم تقع ضمن تصور أكبر عن شكل المجتمع مختلف تماما عما يرغب فيه المواطن المصري الأصمر البسيط، حتى وإن تم إخفاء ذلك في سبيل تحقيق انتصارات صغيرة، وحتى لا يتم اتهامهم بالإخلال بالآداب العامة المختلة بالفعل. وهنا يجب الاعتراف أن ذلك دائما ما يسبب قلق للقطب الإسلامي وللمواطن البسيط أن تكون هذه خطوة في طريق انحلال المجتمع والنداء بالمزيد من الحرية والمسخرة.

بالإضافة إلي ذلك يجب التأكيد على أن المشكلة لها أبعاد كثيرة متعلقة بالوضع الاجتماعي والسياسي والمادي للأفراد، ليس فقط بعد جندري، كذلك الحل لن يكون أحادي ولكنه سيكون مركب. فإذا كان ٢١٪ من الرجال في مصر قد استخدموا العنف الجنسي تجاه زوجاتهم فمن العبث التحدث عن أن القانون كافي لحل المشكلة، كما أن وجود التحرش في جميع الأعمار وبجميع أنواع الملابس لا ينفي أن هناك أعمار معينة تزيد فيها نسبة التحرش بشكل كبير وأن علاجها في هذه المراحل العمربة سيشارك بشكل كبير في علاج المشكلة. كما أنه من المؤكد أنه في ظل وجود ٤٠٪ من المصريين تحت خط الفقر فإنه من العبث التحدث معهم حول أخلاق أو دين ليس فقط حول ظاهرة التحرش.

من هنا يظهر تعقيد المشكلة، والتي يجب أن يتم نقاشها على المستوى النظري وعقد الحوارات مع الناشطين في الأمر سواء من الجانب الديني أو من الجانب التحرري لتوضيح وجهات نظرهم وتعارضاتهم حتى يتم الوصول إلي أرضية مشتركة بين وجهتي النظر؛ في الأغلب هي التي سيتبناها الناس، وأصبح ذلك أسهل خصوصا مع فتح الدولة المجال للحديث في مثل هذه الأمور ووجود السوشيال ميديا.

في النهاية أود التعبير عن دعمي لكل فتاة وأصدقائي منهم تحديدا لأنهم من يقعوا في دوائر تأثيري في أي أذى تعرضوا له، وأنني وإن كنت لم اتعرض لما تعرضوا له، إلا أنني استطيع تصور أن تتعرضي بشكل يومي إلي أن ينظر كل عابر إلي جسدك ويلقي بعضهم إيحاءات جنسية والبعض لا يكتفي بذلك، فضلا عن الاغتصاب والابتزاز خصوصا لو كان من أهلك بيتك الذين من المفترض أن تشعري بينهم بالأمان. كل هذا كافي لإشعال النار في المجتمع بالكامل وليس فقط عمل شوية قلق على السوشيال ميديا. 

الأحد، 10 مايو 2020

سنوات ‏الهزيمة

عدت الي منزلي بعد أعظم هزيمة عشتها في حياتي.. لم استوعب الأمر إلي بعد مرور الأيام والشهور.. كان يوم ٣/٧/٢٠١٣ هو أعظم هزيمة شهدتها.. رأيتها في أعين كل من حولي.. رأيت أناسا قد ضاع عمرهم الماضي والقادم في لحظة وهم لا يشعرون.. مرت الأيام والشهور ولا أزداد إلا ألما وعنادا وسخطا على الوضع القائم وعلى حياتي.. حتى دخلت إلي الجامعة وكانت حياتي قبلها ليست كحياتي بعدها.. كنت ككثير من أصدقائي شاب من الأقاليم محافظ على نياتي وغلبان خالص معلوماتي على اد كتاب المدرسة وكتاب الامتحان اعرف ازاي اخد المادة من دول اجيب الدرجة النهائية من غير ما احس بمجهود شاق وكانت الجامعة مفتوحة على البحري.. كان سيل من المعلومات والثقافات المختلفة سواء من طلاب الجامعة أو من المصادر المختلفة التي نستمد منها العلم.. وكانت تاني طعنة لي في حياتي وأولهم في الجامعة في ثقتي في قدراتي وأسبقيتي على أقراني.. كنت علمي رياضة وبعد ليالي من السهر على كتب الجامعة ال ١٥٠٠ صفحة جبت في أول امتحان maths 101 ٥٠٪ ..كانت صدمة افقدتني ثقتي في نفسي حرفيا لمدة ٣ سنين وراها وعززها فشل وراء فشل في حياتي الأكاديمية من وجهة نظري طبعا لأنه موضوعيا كان في ناس أقل مني.
اتجهت الي بناء شخصيتي بعد الفشل في بناء كاريري او هكذا اقنعت نفسي أني أفعل وكانت الهزيمة الثالثة أمام أفكاري التي تربيت وعشت عليها.. لم أكن أدري أن هناك حجج منطقية ضد الإسلام أنها فقط حرب عليه.. بعد بضعة سنوات تحولت للنقيد تماما.. أصبحت إنسانا بلا هوية تحركني كلمة ويعيدني حديث جذاب وتتخاطفني أمواج الشك في كل شئ.. ومازلت حتى هذه اللحظة أعاني من تبعات هذا الأمر ولكن all for the good طبعا.
وفي أثناء هذا الشتات النفسي والفكري لم تخلو السهام من سهم الحب.. فقد تعلق قلب الفتى الفلاح بالفتاة القهراوية التي لم تحبه وقد كانت هذه آخر هزيمة احتاج إليها عشان أكمل الكولكشن.. لا يلفت انتباهي ولا يعكر صفوي شئ في مشاريع الحب الفاشلة أكثر من أنها دائما تظل في الخلفية كالكابوس لا تستطيع التخلص منها.. يحكى أن رجلا طلب أن تقطع قدمه وهو يصلي حتى يخشع ولا يشعر بالألم.. لو قطعوا قدمي لوددت أن يفعلوا وأنا أحب فتاة لا تحبني لأن لا شئ سيشغلك عن ألم الحب من طرف واحد.
قضيت أربع سنوات من حياتي الجامعية جحيم مبتهناش بلحظة مهما كانت حلوة وتحولت لشخص قميئ لا يحب الناس ولا يحبونه وتبدلت طباعي وساءت علاقتي بأهلي.. كنت أنهرهم كثيرا ولا أصبر على قول لهم.. كنت شخصا لا أحب أن أجالسه الآن.
بقيت كده لحد لحظة لا أذكر ما حدث فيها تحديدا ولكن سيطر علي إحساس أن كل ذلك يجب أن يتغير..استطعت أن استعيد توازني وأعرف قدري قليلا واتخذ خطوات جادة في مستقبلي مرة أخرى ولكن الهزائم لم تتوقف.. ولم يخفف من روعها سوا لحظات جميلة قضيتها مع أصدقائي ولحظات قليلة قضيتها مخمورا بالحب يتبعها قرونا من الأحزان والقرف وليالي السهر أو على رأي الاستاذ ديحا ال sleepless nights..
فما أنا الآن؟؟ شاب في منتصف العشرين مدرك جدا لحجم جهله وحجم الهزائم المحاط بها.. لم يعد حتى قادرا على الحب كما كان قديما ولا عنده بربع جنيه تمسك بأي حد.. فهو مؤمن بالتعقل الآن وهو مؤمن بأنه من باعنا خسر دلعنا حتى أنه لم يعد يشتري أحدا وأصبح يشك أنه يحب فعلا عندما يظن أنه يحب.. أعلم موقفي تماما وموضعي من الناس.. فلست أكثرهم جهلا ولا أكثرهم علما ولا أكثرهم سعادة ولا أكثرهم حزنا.. اتعلم مع الوقت كيف أتقبل أكثر شئ أحبتته منذ صغري وهو التميز.. أؤمن بأنه إن كانت الحياة مرض فبالتأكيد سيكون الدواء مرا كالتوبلكسيل.. لا أكف عن الشكوى حين يلمس لساني ولكني آخده على أي حال لأن الأهم أن تتوقف الكحة. 

السبت، 21 مارس 2020

عزيزتي

عزيزتي
كنت أود أن أكتب إليك لكي أخبرك كم أحبك وأحدثك عن أجمل صفاتك وعن مستقبل رسمته لنا سويا ملئ بالمتاعب حتى لا يفقد واقعيته ولكنه لا يخلو أيضا من اللحظات الهادئة الشاعرية التي تعيننا على استكمال المسير.
نعم، فكرت كثيرا في أجمل صفاتك حتى أظن أنني أعرفها جيدا قبل حتى أن أعرفك. أعلم أنني لن أحبها كلها ولكني سأحب ما يكفي منها لتقبل ما لا أحب. أنت أيضا لن تحبي كل ما أفعله وسيكون عليكي تقبل ذلك لأنه مفيش حد كامل ولأن الإنسان لايحب محبوبه بناءا على مجموع صفاته.

عزيزتي
أصبحت أدري كيف أشعر تجاه كل فتاة التقيها ولا يفلح الأمر معها. هناك من تفقد الاهتمام بها وهناك من تفقد الاهتمام بك، وهناك من تبحث عن الاهتمام؛ تجده عندك حتى تجده عند شخص آخر. هناك من يدرك الصعوبات التي ينطوي عليها الأمر فيبذل قصارى جهده حتى ينجح ولكن قدرته على إكمال المسير تخونه، وهناك من يؤمن بالشعلة التي مالم تشتعل من البداية فلن تشتعل أبدا فيترك ما لو تمسك به لتحقق. هناك من يمنعه كبرياؤه من اتباع أهواء قلبه فيسير وحيدا، وهناك من يترك العنان لهواه فيمر الوقت ويظل هو في مكانه ينتظر ما لا يأتي. هناك من يجعله الحب يفقد صوابه فيضر من يحب، وهناك من فقد صوابه لأنه لم يعد قادرا على الحب. هناك الكثير ممن يودون الدخول لقضاء وقت ممتع والخروج في سلام.

عزيزتي 
لو أنني أعلم حقيقة واحدة عن الحب الآن، هي أنه في أغلب الأوقات يساء تشخيصه. لذلك فقد عجز كل من يسعى لحقيقة الحب عن إصابته في جوهره وظلوا يدورون حوله يعرفون ما هو ليس بحب وما هو حب زائف ولا أحد يستطيع أن يصفه بذاته، وحتى من قدموا تعريفاتهم لما هو الحب في ذاته لم تكن اقتراحتهم  مرضية. فما أسهل أن يتم خلط الغيرة بالحب، والاهتمام بالتلزيق، والتأني بالتطنيش، وما أكثر ما يتفنن الناس في إخفاء مشاعرهم الحقيقية عن عمدا بغرض الوصول لنتيجة معينة أو خوفا من الوصول لنتيجة مدمرة في رأيهم، قد يكون ليس لها هذه الفاعلية في الحقيقة
لقد سئمت البحث عن معنى الحب وأسباب فشله سعيا لتجنبها وأسباب نجاحه سعيا للتمسك بها، ولكني لم أمل انتظارك.

عزيزتي
لم تكن الإجابات المايعة ترضيني يوما ما، وكنت أجد أعظم مشقة في البحث عن إجابات مرضية في وقت أصبح الناس يتلذذون بتجميل شكل السؤال حتى ينالوا الإعجاب، لكن البحث قد أعياني وقد كنت أنا نفس الشخص الذي تحدثت عنه في كل الفقرات السابقة في كل مرة أسلك مسلكا جديدا متعمدا أو مجبرا تحت تأثير الظروف، ولكن في كل مرة وصلت إلي لا شىء، ولقد نصحني الكثير من أصدقائي ألا أفكر في الأمر كهدف أحاول الوصول إليه وقد حاولت ذلك فعلا، لكن دائما ما أضعف أمام نفسي فدائما ما يضعف الإنسان أمام رغباته. ثم أنك في قلبي وفي عقلي صورة لا استطيع أن أكبح نفسي عنها. 

عزيزتي
كسم الحب لسنينه السودا، لكن مش كسمك أنت. 

الجمعة، 6 مارس 2020

حول مفهوم التوازن

من منا لم يسمع مدرس الدين وهو يتحدث عن أخلاق النبي في فتح مكة؟ عندما قال للمشركين: اذهبوا فأنتم الطلقاء. كانت تستخدم هذه المقولة لتأكيد أن التسامح من أهم صفات المسلم.
ومن منا لم يسمع بأن الصدق منجاة وأن المؤمن لا يكذب؟ من منا لا يؤمن بأهمية الصدق في المطلق؟ وأحيانًا يضعه كأهم صفة يحبها في الناس، أو يضع الكذب كأثر صفة يكرهها. ماذا لو سألت نفس الشخص عن الخيانة؟
بالتأكيد سمعنا جميعًا أن الحرب خدعة. إذن فالصدق والأمانة ليسوا أهم الأشياء كما كنا نقول منذ لحظات أو أنهم على أقل تقدير ليسوا مهمين في جميع الأوقات.
هل تعرضت من قبل أن وضعت ثقتك الكاملة في شخص ما وأظهرت له أضعف جوانبك الإنسانية، ثم ألقى بك هذا الشخص في قيعان الخذلان؟ ليس لأنه شخص سيئ ولكن لأن ذلك فقط يحدث أحيانًا، فنحن كثيرًا ما نفسد الأشياء بغير عمد. هل ظننت بعدها أن أهم شىء في هذه الحياة هو ألا تثق في أي إنسان مهما كان؟
هل تحدثت مع صديق لك في ليلة هادئة حول أهم شيء في العلاقات العاطفية وقال لك الاهتمام؟ ولكن كل ما تضعه من اهتمام في علاقتك العاطفية لم يكن كافيًا لجعلها تنجح، فكان استنتاجك المنطقي في هذه اللحظة أن أهم حاجة أن يبقى في كيميا.

هناك دائمًا ما يحركنا نحو البحث عن أهم الأشياء؛ أهم شعور وأهم صفة وأفضل طريقة للتعامل مع موقف معين، ونميل دائما لتعميم هذه النظرية على كل المواقف والأشخاص. ليس لدي نظرية محددة حول سبب هذا الاندفاع تجاه التعميم، ولكن قد يكون ذلك لأن ذلك يوفر لعموم الناس الراحة؛ أن يلقوا الأحكام ولا يشغلوا بالهم كثيرًا بالبحث عن الحقيقة، بلا وجع راس، على الجانب الآخر هناك بعض العقول التي تفنى بحثًا عن إجابة هذا السؤال؛ ما هو أهم شيء أو لو وضعناه في صيغته الفنية فلسفيًا: ما أكثر الأشياء جوهرية؟ 
هذا السؤال ليس بجديد. فقد بحث فيه علماء الفيزياء لعقود، وقد بدأ هذا التساؤل منذ قرون عند الفلاسفة حتى أنك تجد أطنان من الآراء في هذا المبحث، ولكن الفلاسفة كانوا يبحثون عن إجابة أشمل بالتأكيد لان موضع بحثهم لم يكن موقف حياتي عابر أو صفة في الإنسان، لكن كان أصل هذا الكون ومصدر كل شيء فيه شاملًا كل ما تحمل هذه الدنيا من مادة ملموسة وأفكار ومشاعر وصفات. فالمبحث هو ذاته ولكن التطبيق على محتوى أوسع.

كان الفلاسفة يبحثون عن أكثر الأشياء جوهرية سواء كان شيء مادي أو معنوي أو مفهوم أو علاقة بين شيئين، وكان لهم في ذلك مذاهب؛ فكان البعض يؤمن بالوحدة: وجود أصل واحد لكل شيء، وبعضهم يؤمن بالثنائية: وجود أصلين يمكن أن يبنى عليهم كل شيء، والبعض يؤمن بالتعددية: تعدد الأصول.
فكان أحد الأمثلة للأصل الذي يتبناه المؤمنين بمذهب الوحدة هو مفهوم الحركة، وكيف أن الحركة موجودة في كل شيء حولنا تراها في الأفلاك وفي الذرات وعلى كل المستويات، ولو توقف أحد هذه الأياء عن الحركة لتعطل نظام الكون.
هناك أيضا من جعل الأصل ليس في مفهوم ولكن في المادة ذاتها مثل ارسطو الذي جعل للأشياء أصول أربعة: الماء والهواء والتراب والنار، وبرغم سذاجة هذا الطرح من منظور أي إنسان في القرن الحادي والعشرين إلا أنه كان له دور مهم في سياقه التاريخي.
هناك الكثير من وجهات النظر التي لن يتسع المقال لها، لكني قصدت توضيح الفكرة والخروج من المواقف المحدودة إلي ما هو أوسع منها لأصل معك إلي مبحثنا جميعا.

وإن كان لي أن أدلي بدلوي في هذا الأمر، فإن ظني وحدسي دائما ما يدفعاني أن في الكون شيء واحد هو الأكثر جوهرية والأكثر أهمية.
في الطبيعة من حولنا يقول نيوتن أن لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد في الاتجاه وغن كانت الفيزياء الحديثة أثبتت حدود تطبيق قوانين نيوتن في عالم الفيزياء، فإن مفهوم التوازن المنصوص هنا موجود في مفهوم الطاقة واتزانها وتحولها من صوة لأخرى ولكن ذكرت نيوتن لوضوح مفهوم الاتزان في قانونه.
إذا نظرت في السياسة ستجد ان العالم يتحول تدريجيًا إلي أن مفهوم توازن القوى هو الأصلح للمجتمعات، وتجد أن الأمم التي تحافظ على هذا التوازن ترتقي وترتفع والأمم التي لا تحافظ عليه تهلك. حتى أن العالم ككتلة واحدة لم يحظى بالسلام إلي في أوقات توازن القوى، أما الوقت الذي تنشأ فيه قوة جديدة محاولة استبادل قوة أخرى فدائما ما تكون اوقات دمار للإنسانية.
أما إذا نظرت في الأخلاق وهي التي تختص بالأسئلة التي سألتها في بداية المقال فإنني اتبنى هنا مذهب نسبي في الأخلاق قد يختلف معه البعض كلية، وبرغم من حجم التعقيد عندما تنظر في الأخلاق إلا أنك ستجد الاتزان في قراراتك حول الصواب والخطأ هو أكثر الحلول عملية. فليس كل الناس يستحقون التسامح وليس نفس الشخص يستحق التسامح في كل المواقف وإن كان التسامح قرار صائب بوجود بعض المعطيات فقد يكون قرار بعيد تمامًا عن الصواب بوجود معطيات اخرى، وإن كان الصدق أمر هام في معظم المواقف فإنه قد يكون ضار في حالة الحرب أو في حالة أنه سيحدث وقيعة بين شخصين. هناك بعض الأشخاص الذين يستحقون الثقة، ولكن هناك آخرون لا يستحقونها وهكذا.
وتحقيق التوازن في هذا السياق يتطلب الحكمة، والحكمة تطلب الخبرة وإعمال العقل لتصل للقرار الأنسب في السياق المطروح. 

بالتأكيد والمهم بالنسبة لي في نهاية هذا المقال أن أقول أن أهم نتيجة احتاج لبناءها على جوهرية مفهوم التوازن هي أنه الآن أصبح من الصعب جدًا إلقاء حكم مطلق على أبسط المواقف حتى ولكن أزاي المفروض نتعامل مع إكساتنا او أزاي تتعامل مع واحد جاي يشتكيلك من حاجة مضايقاه.

الأحد، 16 فبراير 2020

حول الوقت

في أحلك الأوقات كانت تلازمني مقطوعة بينك فلويد عن الوقت. اعتبر هذه المقطوعة من أفضل ما تم غناءه على الإطلاق. كنت دائما اتأمل معانيها الواضحة في الكلمات والخفية في ثنايا الموسيقى وأفكر في مفهوم الوقت. أمضيت ساعات أبحث عن أعمال فنية وفكرية حول مفهوم الوقت وجوهريته في تكوين التجربة الإنسانية وأمضيت ليال كثيرة أفكر فيه لأنه كان لدي وقت كاف لإعادة التفكير.

دائما ما يتحدث الناس عن أن الوقت يمر بسرعة والعمر أيامه بتجري أو أن الوقت يمر ببطء شديد حتى أن اليوم بالكاد يتحرك من النهار إلي الليل لينهي يومهم الكئيب الفارغ. 
ثم يأتي صوت الحكمة محاولا أن يعيد إدراكنا للوقت لمعدله الصحيح بأطنان من العبارات التي تحاول إقناعنا بالتعامل مع الوقت بشكل مرحلي بالمقولات التي تشبه (عيش اللحظة)، وأظن أنهم محقين، هذه أنسب طريقة للتعامل مع الوقت. ولكن من منا يستطيع أن يحافظ على طريقة صحية للتفكير في أمور الحياة الشائكة طوال الوقت!

للأسف تزامن تفكيري في الوقت مع الفترات التي أكون فيها في الحالة الثانية من الإحساس ببطء الوقت واستعجال مروره، في أوقات الفراغ والانتظار الطويلة. وأظن أن ذلك ليس غريبا في هذا السن لأنه كما يقول شوبنهاور الشاب لا يشعرون بأن الوقت يمر سريعا لأنه يظن أن العمر مازال أمامه ومالم يستطع تحقيقه الآن يمكن أن يحققه بعدين، أما العجائز فيشعرون أنهم رجل جوا ورجل برا، فدائما ما يستبطئون الوقت آملين أن يتعثروا في متعة هنا أو هناك قبل أن يفارقوا هذه الحياة. 

وهنا يأتي رأي شوبنهاور المهم بأن الشاب الذي يظن أنه لا حاجة للقلق لأن الوقت مازال طويلا سيأتي بعد بضع أعوام أو عقود ليقول كما تقول الأغنية noone told you when to run. ويكتشف أن هذه هي حياته وهذا هو ما سيعيشه حتى انتهاءها. 
في هذا السياق تبدو نصائح الحكماء الخاصة بالاستماع  باللحظة منطقية، ولما كان الاستمتاع باللحظة شبه مستحيل في أغلب الأوقات في عالم مليء بالخوف والقلق والحزن، فربما نستطيع كبني الإنسان أن نستفيد من الصبر على اللحظة، وهذا الصبر يحتاج إلي قيمة يسعى الإنسان إليها. يجب أن يكون النجاح في الامتحان مهم بالنسبة لك حتى تستطيع إقناع نفسك بتثبيت مؤخرتك على الكرسي وتحمل عناء المذاكرة، أما إن لم يكن لديك أي امتحان أو كانت جميع الامتحانات غير مهمة بالنسبة لك فسيكون الوقت أكبر أعداءك لأنه قادر على قتل كل متعة وإنهاء كل محاولات الاستمتاع. 

الاثنين، 18 نوفمبر 2019

أمي


استيقظت اليوم على رسالة من أمي بمقطع لأم كلثوم
ويوم ما تسعدني بقربك ألاقي كل الناس أحباب
ويفيض عليا نور حبك أقول مفيش في الحب عذاب
في الماضي كانت دائما ما تذكرني المقاطع المميزة لأم كلثوم بالفتاة التي أحبها حينها، لكن بعد أن أبعدتني المسافات عن كل من أحبهم فإن أغاني أم كلثوم أصبحت رابط مختصر لذكرياتي مع أمي في منزلنا في المساء حين كانت تغني في الخلفية ونحن نتحدث أو كل منا مشغول في شأنه الخاص وما أجملها ذكرى لأهم شخص في حياة كل إنسان؛ الأم.

أحاول قدر الإمكان أن أبقى على تواصل دائم مع كل المقربين ولكن دائما تأسرني فرحة أمي باللحظة التي تبدأ فيها محادثتنا، والتي تبدأ بمحاولات مضطربة لضبط الشبكة والفيديو نظرا لصعوبة تعاملها مع الهاتف، وأكاد أري الحب والفرحة تقفز من وجهها الذي فعلت به الشيخوخة ما فعلت عبر الشاشة بمجرد بداية الفيديو عندما ترى وجهي الذي بكل حيادية لا يستعدي الفرحة أو حتى الابتسامة للوهلة الأولي، وتقول لي أزيك يا كرملة، عامل إيه يبني! وحشتني وقطعت بيا يا كرملة! حينها لا يسعني إلا أن تملأ الضحكة وجهي وتملأ الوحشة قلبي ويملأ الإحساس بالذنب نفسي.
نعم، دائما ما كنت أشعر بالذنب والتقصير تجاه أمي. ليس لما تطلبه، لكن لما أظن أنه يجب أن أفعله ولا أفعله، ولما أظن أنه يجب أن أحسه ولا أحسه، شيئا أظن يتشاركه جميع الشباب في مثل هذا السن الذي يبدأ فيه الإحساس بالمسئولية تجاه الأهل بعد الاعتمادية الكاملة عليهم.
ذلك لأنني لم أعرف أبدا إن كان من العدل أن يفني إنسانا حياته من أجل أن يبدأ شخص آخر حياته. بالطبع ليس هذا هو المنظور الذي ينظر به الأهل للأمر، ولكن هذا هو المنظور الذي أنظر به؛ لأنني أعلم جيدا أن هناك الكثير من الأهالي لم يبذلوا ولو جزءا بسيطا مما يبذله آخرون لتنشئة أبنائهم وجعلهم رجالا ونساءا قادرين على الوقوف وتثبيت أقدامهم في هذه الحياة. ليس عدلا أن يستوي من قضت عمرها تطعم وتغسل وتسهر وتعلم بمن استجلبت دادة لتفعل كل هذا، ليس عدلا أن تستوي من جلست كل ليلة على دماغ ابنها لتتأكد من أنه أنهي واجباته المدرسية ومن تركته يلعب براحته. ليس على سبيل المزايدة فكل حر في اختياراته وفي الطريقة التي يسير بها حياته، لكن ما أؤمن به أن الاختيار مسئولية ونتيجة، ولا يستوى من أخذ مسئولية مضاعفة بمن أخذ مسئولية محدودة. بالطبع لا يكيل الحب بمثل هذه المقادير، لذلك تجد الجميع يحب أمه على المستوى الأساسي جدا إلا من كانت لهم تجارب مخالفة تماما من الصراع مع الأهل تولد مشاعر سلبية تغلب أحيانا على هذا الحب. لذلك اعتقد دائما أن هناك ما هو أكثر من الحب والتقدير لأقدمه لأمي، وهنا يأتي الإحساس بالتقصير والذنب.

مؤخرا يصيبني هاجس اقتراب النهاية، وما كان الأمر ليخطر في ذهني منذ عامين، فوجودها أمر حتمي أبدي، ليس هناك تصور استطيع أن استوعبه هي ليست جزء منه.
هنا أدرك أن الأم هي المحبوبة المفقودة. هي الدفء الذي لا ينقطع، والأمان الذي لا ينتهي. هي التفهم غير المشروط، والحب غير المنتظر لمقابل.
معها فقط أجد أن 
الحب كله نعيم لافيه عزول بينول ولا فيه حبيب محروم.