السبت، 21 مارس 2020

عزيزتي

عزيزتي
كنت أود أن أكتب إليك لكي أخبرك كم أحبك وأحدثك عن أجمل صفاتك وعن مستقبل رسمته لنا سويا ملئ بالمتاعب حتى لا يفقد واقعيته ولكنه لا يخلو أيضا من اللحظات الهادئة الشاعرية التي تعيننا على استكمال المسير.
نعم، فكرت كثيرا في أجمل صفاتك حتى أظن أنني أعرفها جيدا قبل حتى أن أعرفك. أعلم أنني لن أحبها كلها ولكني سأحب ما يكفي منها لتقبل ما لا أحب. أنت أيضا لن تحبي كل ما أفعله وسيكون عليكي تقبل ذلك لأنه مفيش حد كامل ولأن الإنسان لايحب محبوبه بناءا على مجموع صفاته.

عزيزتي
أصبحت أدري كيف أشعر تجاه كل فتاة التقيها ولا يفلح الأمر معها. هناك من تفقد الاهتمام بها وهناك من تفقد الاهتمام بك، وهناك من تبحث عن الاهتمام؛ تجده عندك حتى تجده عند شخص آخر. هناك من يدرك الصعوبات التي ينطوي عليها الأمر فيبذل قصارى جهده حتى ينجح ولكن قدرته على إكمال المسير تخونه، وهناك من يؤمن بالشعلة التي مالم تشتعل من البداية فلن تشتعل أبدا فيترك ما لو تمسك به لتحقق. هناك من يمنعه كبرياؤه من اتباع أهواء قلبه فيسير وحيدا، وهناك من يترك العنان لهواه فيمر الوقت ويظل هو في مكانه ينتظر ما لا يأتي. هناك من يجعله الحب يفقد صوابه فيضر من يحب، وهناك من فقد صوابه لأنه لم يعد قادرا على الحب. هناك الكثير ممن يودون الدخول لقضاء وقت ممتع والخروج في سلام.

عزيزتي 
لو أنني أعلم حقيقة واحدة عن الحب الآن، هي أنه في أغلب الأوقات يساء تشخيصه. لذلك فقد عجز كل من يسعى لحقيقة الحب عن إصابته في جوهره وظلوا يدورون حوله يعرفون ما هو ليس بحب وما هو حب زائف ولا أحد يستطيع أن يصفه بذاته، وحتى من قدموا تعريفاتهم لما هو الحب في ذاته لم تكن اقتراحتهم  مرضية. فما أسهل أن يتم خلط الغيرة بالحب، والاهتمام بالتلزيق، والتأني بالتطنيش، وما أكثر ما يتفنن الناس في إخفاء مشاعرهم الحقيقية عن عمدا بغرض الوصول لنتيجة معينة أو خوفا من الوصول لنتيجة مدمرة في رأيهم، قد يكون ليس لها هذه الفاعلية في الحقيقة
لقد سئمت البحث عن معنى الحب وأسباب فشله سعيا لتجنبها وأسباب نجاحه سعيا للتمسك بها، ولكني لم أمل انتظارك.

عزيزتي
لم تكن الإجابات المايعة ترضيني يوما ما، وكنت أجد أعظم مشقة في البحث عن إجابات مرضية في وقت أصبح الناس يتلذذون بتجميل شكل السؤال حتى ينالوا الإعجاب، لكن البحث قد أعياني وقد كنت أنا نفس الشخص الذي تحدثت عنه في كل الفقرات السابقة في كل مرة أسلك مسلكا جديدا متعمدا أو مجبرا تحت تأثير الظروف، ولكن في كل مرة وصلت إلي لا شىء، ولقد نصحني الكثير من أصدقائي ألا أفكر في الأمر كهدف أحاول الوصول إليه وقد حاولت ذلك فعلا، لكن دائما ما أضعف أمام نفسي فدائما ما يضعف الإنسان أمام رغباته. ثم أنك في قلبي وفي عقلي صورة لا استطيع أن أكبح نفسي عنها. 

عزيزتي
كسم الحب لسنينه السودا، لكن مش كسمك أنت. 

الجمعة، 6 مارس 2020

حول مفهوم التوازن

من منا لم يسمع مدرس الدين وهو يتحدث عن أخلاق النبي في فتح مكة؟ عندما قال للمشركين: اذهبوا فأنتم الطلقاء. كانت تستخدم هذه المقولة لتأكيد أن التسامح من أهم صفات المسلم.
ومن منا لم يسمع بأن الصدق منجاة وأن المؤمن لا يكذب؟ من منا لا يؤمن بأهمية الصدق في المطلق؟ وأحيانًا يضعه كأهم صفة يحبها في الناس، أو يضع الكذب كأثر صفة يكرهها. ماذا لو سألت نفس الشخص عن الخيانة؟
بالتأكيد سمعنا جميعًا أن الحرب خدعة. إذن فالصدق والأمانة ليسوا أهم الأشياء كما كنا نقول منذ لحظات أو أنهم على أقل تقدير ليسوا مهمين في جميع الأوقات.
هل تعرضت من قبل أن وضعت ثقتك الكاملة في شخص ما وأظهرت له أضعف جوانبك الإنسانية، ثم ألقى بك هذا الشخص في قيعان الخذلان؟ ليس لأنه شخص سيئ ولكن لأن ذلك فقط يحدث أحيانًا، فنحن كثيرًا ما نفسد الأشياء بغير عمد. هل ظننت بعدها أن أهم شىء في هذه الحياة هو ألا تثق في أي إنسان مهما كان؟
هل تحدثت مع صديق لك في ليلة هادئة حول أهم شيء في العلاقات العاطفية وقال لك الاهتمام؟ ولكن كل ما تضعه من اهتمام في علاقتك العاطفية لم يكن كافيًا لجعلها تنجح، فكان استنتاجك المنطقي في هذه اللحظة أن أهم حاجة أن يبقى في كيميا.

هناك دائمًا ما يحركنا نحو البحث عن أهم الأشياء؛ أهم شعور وأهم صفة وأفضل طريقة للتعامل مع موقف معين، ونميل دائما لتعميم هذه النظرية على كل المواقف والأشخاص. ليس لدي نظرية محددة حول سبب هذا الاندفاع تجاه التعميم، ولكن قد يكون ذلك لأن ذلك يوفر لعموم الناس الراحة؛ أن يلقوا الأحكام ولا يشغلوا بالهم كثيرًا بالبحث عن الحقيقة، بلا وجع راس، على الجانب الآخر هناك بعض العقول التي تفنى بحثًا عن إجابة هذا السؤال؛ ما هو أهم شيء أو لو وضعناه في صيغته الفنية فلسفيًا: ما أكثر الأشياء جوهرية؟ 
هذا السؤال ليس بجديد. فقد بحث فيه علماء الفيزياء لعقود، وقد بدأ هذا التساؤل منذ قرون عند الفلاسفة حتى أنك تجد أطنان من الآراء في هذا المبحث، ولكن الفلاسفة كانوا يبحثون عن إجابة أشمل بالتأكيد لان موضع بحثهم لم يكن موقف حياتي عابر أو صفة في الإنسان، لكن كان أصل هذا الكون ومصدر كل شيء فيه شاملًا كل ما تحمل هذه الدنيا من مادة ملموسة وأفكار ومشاعر وصفات. فالمبحث هو ذاته ولكن التطبيق على محتوى أوسع.

كان الفلاسفة يبحثون عن أكثر الأشياء جوهرية سواء كان شيء مادي أو معنوي أو مفهوم أو علاقة بين شيئين، وكان لهم في ذلك مذاهب؛ فكان البعض يؤمن بالوحدة: وجود أصل واحد لكل شيء، وبعضهم يؤمن بالثنائية: وجود أصلين يمكن أن يبنى عليهم كل شيء، والبعض يؤمن بالتعددية: تعدد الأصول.
فكان أحد الأمثلة للأصل الذي يتبناه المؤمنين بمذهب الوحدة هو مفهوم الحركة، وكيف أن الحركة موجودة في كل شيء حولنا تراها في الأفلاك وفي الذرات وعلى كل المستويات، ولو توقف أحد هذه الأياء عن الحركة لتعطل نظام الكون.
هناك أيضا من جعل الأصل ليس في مفهوم ولكن في المادة ذاتها مثل ارسطو الذي جعل للأشياء أصول أربعة: الماء والهواء والتراب والنار، وبرغم سذاجة هذا الطرح من منظور أي إنسان في القرن الحادي والعشرين إلا أنه كان له دور مهم في سياقه التاريخي.
هناك الكثير من وجهات النظر التي لن يتسع المقال لها، لكني قصدت توضيح الفكرة والخروج من المواقف المحدودة إلي ما هو أوسع منها لأصل معك إلي مبحثنا جميعا.

وإن كان لي أن أدلي بدلوي في هذا الأمر، فإن ظني وحدسي دائما ما يدفعاني أن في الكون شيء واحد هو الأكثر جوهرية والأكثر أهمية.
في الطبيعة من حولنا يقول نيوتن أن لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد في الاتجاه وغن كانت الفيزياء الحديثة أثبتت حدود تطبيق قوانين نيوتن في عالم الفيزياء، فإن مفهوم التوازن المنصوص هنا موجود في مفهوم الطاقة واتزانها وتحولها من صوة لأخرى ولكن ذكرت نيوتن لوضوح مفهوم الاتزان في قانونه.
إذا نظرت في السياسة ستجد ان العالم يتحول تدريجيًا إلي أن مفهوم توازن القوى هو الأصلح للمجتمعات، وتجد أن الأمم التي تحافظ على هذا التوازن ترتقي وترتفع والأمم التي لا تحافظ عليه تهلك. حتى أن العالم ككتلة واحدة لم يحظى بالسلام إلي في أوقات توازن القوى، أما الوقت الذي تنشأ فيه قوة جديدة محاولة استبادل قوة أخرى فدائما ما تكون اوقات دمار للإنسانية.
أما إذا نظرت في الأخلاق وهي التي تختص بالأسئلة التي سألتها في بداية المقال فإنني اتبنى هنا مذهب نسبي في الأخلاق قد يختلف معه البعض كلية، وبرغم من حجم التعقيد عندما تنظر في الأخلاق إلا أنك ستجد الاتزان في قراراتك حول الصواب والخطأ هو أكثر الحلول عملية. فليس كل الناس يستحقون التسامح وليس نفس الشخص يستحق التسامح في كل المواقف وإن كان التسامح قرار صائب بوجود بعض المعطيات فقد يكون قرار بعيد تمامًا عن الصواب بوجود معطيات اخرى، وإن كان الصدق أمر هام في معظم المواقف فإنه قد يكون ضار في حالة الحرب أو في حالة أنه سيحدث وقيعة بين شخصين. هناك بعض الأشخاص الذين يستحقون الثقة، ولكن هناك آخرون لا يستحقونها وهكذا.
وتحقيق التوازن في هذا السياق يتطلب الحكمة، والحكمة تطلب الخبرة وإعمال العقل لتصل للقرار الأنسب في السياق المطروح. 

بالتأكيد والمهم بالنسبة لي في نهاية هذا المقال أن أقول أن أهم نتيجة احتاج لبناءها على جوهرية مفهوم التوازن هي أنه الآن أصبح من الصعب جدًا إلقاء حكم مطلق على أبسط المواقف حتى ولكن أزاي المفروض نتعامل مع إكساتنا او أزاي تتعامل مع واحد جاي يشتكيلك من حاجة مضايقاه.