تطورت وجهة نظري في قضية المرأة على أكثر من مرحلة .. حيث بدأت بمجموعة من الصديقات الذين وجدوا بعض الحرية ومروا بالعديد من التقلبات الفكرية في مرحلة الجامعة قادتهم الي خلع الحجاب لأنه لم يعد يناسب رغباتهم وقناعتهم، وكنت بستغرب بحكم مفاجأة التغيير لكن البيئة التي كنا فيها علمتنا أن نحترم رغبات الآخر .. لكني كنت أعلم أيضا أن غالبية المجتمع الذي نعيش فيه يصم من تقوم بذلك بال***** بشكل مباشر .. ثم بدأت في هذه المرحلة تنتشر بعض الصفحات والحسابات الشخصية التي تتحدث عن القمع والظلم الذي تتعرض له النساء في دولنا العربية خاصة السعودية والعالم أجمع .. من التحرش والعنف المنزلي إلي عدم الأمان في الشارع وأماكن العمل والتدخل في كل شئون الفتاة .. وكان ذلك يكفي بالنسبة لي لأدرك حجم الظلم الواقع على المرأة خاصة في عالمنا العربي وكانت التجارب الشخصية مع من أعرفهم من فتيات عما تعرضوا له على مدار حياتهم من ظلم تكفي لأي ذو ضمير وعقل أن يعلم أن هذا ليس ميزان العدل .. ف أبسط مثال كيف ترى زميلتك في الدراسة تجتهد وتدرس وتسهر وتشتغل وتتمرمط مثلك تماما لمدة ٥ أعوام وقد تفوقك في الأداء ثم تعطي نفسك السلطة أن تضع أي قيود على الطريقة التي تختار أن تعيش حياتها بها زي تقعد ف البيت ولا تشتغل ولا تشتغل ايه ولا ولا .. طبعا الأمر من حيث التفصيل سيكون فيه نقاش أوسع لكن من حيث المبدأ أثبتت النساء كفاءة في كل المجالات تقريبا لا تدع مجال للشك.
ولكن النقلة الحقيقية حدثت عندما درست القضية من منظور علمي تنموي .. فقد وجدت أن حجم القمع والظلم الذي تتعرض له المرأة أكثر مما قد تستطيع استيعابه من تجاربك اليومية وحدسك فقط .. فمن يستطيع ان يتصور ان حوالي ثلث النساء الذين يمارسون حياتهم بشكل طبيعي حولك يوميا تعرضوا للتحرش الجنسي من احد افراد أسرتهم على الاقل مرة واحدة؟! بالتأكيد أصبح ذلك أسهل بعدما رأينا أكثر من شاب يقتلون فتيات يدعون حبهم في وضح النهار .. هذا أكبر دليل أن هذه لم تكن علاقة حب وانما علاقة امتلاك كما يشعر غالبية الرجال في هذا المجتمع تجاه المرأة سواء زوجته أو ابنته أو اخته أو حتى واحدة بيحبها وملوش كلمة عليها ويمكن زميلته في الشغل.
لكن اذا خرجنا من الميدان العام وما يراه الناس للطريقة التي يحلل بها المتخصصين موقف المرأة فإنهم يعتمدون على ٥ عوامل في تقييم الوضع العام للمرأة:
- الصحة العامة للمرأة .. خاصة الصحة الإنجابية
- الفرص المتساوية مع الرجل في التعليم .. والذي يتم قياسه في كافة المراحل التعليمية
- التمكين الاقتصادي .. والذي يهتم بمدى تهيئة البيئة لمشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي ووجود سيدات في مناصب ادارية متنوعة
- التمكين السياسي .. والذي يعتمد على حجم المشاركة السياسية الحقيقية للمرأة ووجودها في المناصب السيادية
- واخيرا الوكالة .. وهي قدرة المرأة على اتخاذ قراراتها بذاتها وهذه تبدأ من الخروج من المنزل أو الذهاب الي الطبيب والذي بالمناسبة المرأة العربية تحديدا لا تستطيع ان تفعله حتى اليوم في الاماكن المحافظة اللي هي تقريبا العرب كلهم .. وتمتد ايضا للسفر للخارج .. احنا لسه في مرحلة ان السعودية بتقول للستات يعني خلاص هنسفركم من غير محرم.
كل عامل من هؤلاء له الكثير من المؤشرات التي يستخدمها المحللون في تقييم وضع المرأة يمكن أن ترى واحدة من أهم تجميعات البيانات عن أوضاع المرأة في كل دول العالم هنا
https://genderdata.worldbank.org/indicators/
لكني سأذكر واحد فقط سيدلك على مدى البؤس الذي نعيش فيه .. احد المؤشرات الموجودة هنا هو "نسبة النساء الذين يظنون أن من حق الزوج ضرب زوجته" وقد كانت نسبة هؤلاء في مصر ٣٥٪ في عام ٢٠١٤ .. رقم صادم بالطبع لكن ما أظنه أن هذه النسبة قد تكون قلت بشكل ملحوظ بعد الزخم الذي حدث مؤخرا في المجتمع المصري حول قضية المرأة.
حاولت من أول المقال أن أوضح مدى الظلم الذي تتعرض له النساء وأنه ليس هناك صاحب ضمير يرضى بذلك لأي إنسان .. ولكن هناك جانبيين سلبيين أريد أن اناقشهم في سياق حقوق المرأة قبل أن انتهي:
الأول يتعلق بالحراك نفسه وأهدافه ومتطلباته .. وبالطبع من السذاجة التعامل مع الحراك النسوي أنه كيان واحد .. لكن الextreme feminists يدعون للمساواة الكاملة مع الرجل وتجدهم أكثر الغاضبين .. في حين أن علم النفس وجد بالفعل أنه كلما حصل الرجل والمرأة على فرصة أكبر للاختيار الحر في اختيار مجال العمل مثلا كلما زادت الاختلافات بينهم في اختيارتهم
https://www.scientificamerican.com/article/when-times-are-good-the-gender-gap-grows/
ولأكون صريح كان طرح ساذج القول بأنه بالرغم من كل العوامل البيولوجية والاجتماعية والتربوية التي تأثر ف رغبات الأفراد أن نقول أن الجوانب الاجتماعية فقط هي اللي بتأثر .. وأنه لو حصلت المرأة على نفس الفرص مثل الرجل ستزول الفجوة بينهما.
الأمر الثاني أنه بالتزامن مع تصاعد أصوات النساء للمطالبة بحقوقهم هناك العديد منهم من لا يهتم حتى لأمر النساء الأخريات ولكنها تهتم فقط بأن تفعل ما تريد مهتمة فقط بالتعبير عن غضبها كأنه لم يظلم غيرها ويجب على العالم كله ان يقف دقيقة حداد على الموقف اللي حصل معاها .. على استعداد أن تهدم أي قيمة أخرى سواء كانت أسرة أو جواز أو غيره في سبيل ما تريده كأي انسان تافه وجد غطاء في حراك معين وانضم له بحكم الظلم الذي وقع عليه أو أيا كان ما حدث له في حياته .. وهؤلاء موجودون في كل حراك مجتمعي وهي دي ضريبة قرون من الظلم والقمع واليأس كما أنها نتيجة طبيعية للمد الليبرالي الذي يحدث في أوساط الشباب تحديدا من بعد ثورة يناير .. ولكن هذا موضوع ربما يحتاج إلي مقال آخر منفصل.
بين الظلم الشديد والقهر وانقلاب المجتمع رأسا على عقب يجب أن نجد أرضا وسطا بين الظلم البيّن وانفراط الأسرة والمجتمع.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق