في ظل الصراع الشديد الذي يدور حول التحرش في مصر الآن أظن أنه من أهم الأشياء التي نغفلها هو تكوين إطار نظري يصلح لاستبدال الإطار الحالي الذي يعود لعصور سحيقة ويكون في نفس الوقت مراعيا لأن هذا المجتمع مازال مجتمع مسلم مختلف عن المجتمعات التي بدأت عندها قضية المساواة بين الرجل والمرأة، خصوصا فيما يتعلق بالأشياء التي يجب ترسيخها في العقل الباطن للمواطن المصري على أنها أسباب التحرش الجنسي.
لكي يحدث ذلك يجب ألا يقتصر الحديث على الكلام المرسل حول أسباب ظاهرة التحرش؛ كل يدلو بدلوه، خصوصا في عصر المعلومات حيث أصبح من السهل التحقق من كل رأي بالأرقام والحقائق الموضوعية، سواء كان ذلك نوع العنق الذي يتعرض له النساء أو أسبابه أو نسبه في كل مرحلة عمرية وغيرها من الأرقام التي تسهل جدا إيجاد استنتاجات موضوعية عن الأسباب والحلول واتخاذ الإجراءات القانونية لعلاجها إذا كان هناك رغبة في ذلك.
للأسف لم يستطع رجال الدين حتى هذه اللحظة الاستفادة من هذه الإمكانيات وظل خطابهم مبني على فرضيات عتيقة حول طبيعة الإنسان وفطرته والنفس الأمارة بالسوء وغيرها، فظلوا عاجزين عن تقديم حلول عادلة مرضية أقربها للصواب هو محاولة الأزهر الوقوف بجانب المرأة قليلا عن طريق إثبات الجريمة على المتحرش ونفي العلاقة بين التحرش وملابس المرأة والذي يعتبر تطور كبير في الخطاب الديني.
كذلك لا يستطيع أغلب المنظرين لحقوق المرأة في الوقت الحالي تقديم حلول عملية للمشكلة لأن حقوق المرأة بالنسبة لهم تقع ضمن تصور أكبر عن شكل المجتمع مختلف تماما عما يرغب فيه المواطن المصري الأصمر البسيط، حتى وإن تم إخفاء ذلك في سبيل تحقيق انتصارات صغيرة، وحتى لا يتم اتهامهم بالإخلال بالآداب العامة المختلة بالفعل. وهنا يجب الاعتراف أن ذلك دائما ما يسبب قلق للقطب الإسلامي وللمواطن البسيط أن تكون هذه خطوة في طريق انحلال المجتمع والنداء بالمزيد من الحرية والمسخرة.
بالإضافة إلي ذلك يجب التأكيد على أن المشكلة لها أبعاد كثيرة متعلقة بالوضع الاجتماعي والسياسي والمادي للأفراد، ليس فقط بعد جندري، كذلك الحل لن يكون أحادي ولكنه سيكون مركب. فإذا كان ٢١٪ من الرجال في مصر قد استخدموا العنف الجنسي تجاه زوجاتهم فمن العبث التحدث عن أن القانون كافي لحل المشكلة، كما أن وجود التحرش في جميع الأعمار وبجميع أنواع الملابس لا ينفي أن هناك أعمار معينة تزيد فيها نسبة التحرش بشكل كبير وأن علاجها في هذه المراحل العمربة سيشارك بشكل كبير في علاج المشكلة. كما أنه من المؤكد أنه في ظل وجود ٤٠٪ من المصريين تحت خط الفقر فإنه من العبث التحدث معهم حول أخلاق أو دين ليس فقط حول ظاهرة التحرش.
من هنا يظهر تعقيد المشكلة، والتي يجب أن يتم نقاشها على المستوى النظري وعقد الحوارات مع الناشطين في الأمر سواء من الجانب الديني أو من الجانب التحرري لتوضيح وجهات نظرهم وتعارضاتهم حتى يتم الوصول إلي أرضية مشتركة بين وجهتي النظر؛ في الأغلب هي التي سيتبناها الناس، وأصبح ذلك أسهل خصوصا مع فتح الدولة المجال للحديث في مثل هذه الأمور ووجود السوشيال ميديا.
في النهاية أود التعبير عن دعمي لكل فتاة وأصدقائي منهم تحديدا لأنهم من يقعوا في دوائر تأثيري في أي أذى تعرضوا له، وأنني وإن كنت لم اتعرض لما تعرضوا له، إلا أنني استطيع تصور أن تتعرضي بشكل يومي إلي أن ينظر كل عابر إلي جسدك ويلقي بعضهم إيحاءات جنسية والبعض لا يكتفي بذلك، فضلا عن الاغتصاب والابتزاز خصوصا لو كان من أهلك بيتك الذين من المفترض أن تشعري بينهم بالأمان. كل هذا كافي لإشعال النار في المجتمع بالكامل وليس فقط عمل شوية قلق على السوشيال ميديا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق