الاثنين، 18 نوفمبر 2019

أمي


استيقظت اليوم على رسالة من أمي بمقطع لأم كلثوم
ويوم ما تسعدني بقربك ألاقي كل الناس أحباب
ويفيض عليا نور حبك أقول مفيش في الحب عذاب
في الماضي كانت دائما ما تذكرني المقاطع المميزة لأم كلثوم بالفتاة التي أحبها حينها، لكن بعد أن أبعدتني المسافات عن كل من أحبهم فإن أغاني أم كلثوم أصبحت رابط مختصر لذكرياتي مع أمي في منزلنا في المساء حين كانت تغني في الخلفية ونحن نتحدث أو كل منا مشغول في شأنه الخاص وما أجملها ذكرى لأهم شخص في حياة كل إنسان؛ الأم.

أحاول قدر الإمكان أن أبقى على تواصل دائم مع كل المقربين ولكن دائما تأسرني فرحة أمي باللحظة التي تبدأ فيها محادثتنا، والتي تبدأ بمحاولات مضطربة لضبط الشبكة والفيديو نظرا لصعوبة تعاملها مع الهاتف، وأكاد أري الحب والفرحة تقفز من وجهها الذي فعلت به الشيخوخة ما فعلت عبر الشاشة بمجرد بداية الفيديو عندما ترى وجهي الذي بكل حيادية لا يستعدي الفرحة أو حتى الابتسامة للوهلة الأولي، وتقول لي أزيك يا كرملة، عامل إيه يبني! وحشتني وقطعت بيا يا كرملة! حينها لا يسعني إلا أن تملأ الضحكة وجهي وتملأ الوحشة قلبي ويملأ الإحساس بالذنب نفسي.
نعم، دائما ما كنت أشعر بالذنب والتقصير تجاه أمي. ليس لما تطلبه، لكن لما أظن أنه يجب أن أفعله ولا أفعله، ولما أظن أنه يجب أن أحسه ولا أحسه، شيئا أظن يتشاركه جميع الشباب في مثل هذا السن الذي يبدأ فيه الإحساس بالمسئولية تجاه الأهل بعد الاعتمادية الكاملة عليهم.
ذلك لأنني لم أعرف أبدا إن كان من العدل أن يفني إنسانا حياته من أجل أن يبدأ شخص آخر حياته. بالطبع ليس هذا هو المنظور الذي ينظر به الأهل للأمر، ولكن هذا هو المنظور الذي أنظر به؛ لأنني أعلم جيدا أن هناك الكثير من الأهالي لم يبذلوا ولو جزءا بسيطا مما يبذله آخرون لتنشئة أبنائهم وجعلهم رجالا ونساءا قادرين على الوقوف وتثبيت أقدامهم في هذه الحياة. ليس عدلا أن يستوي من قضت عمرها تطعم وتغسل وتسهر وتعلم بمن استجلبت دادة لتفعل كل هذا، ليس عدلا أن تستوي من جلست كل ليلة على دماغ ابنها لتتأكد من أنه أنهي واجباته المدرسية ومن تركته يلعب براحته. ليس على سبيل المزايدة فكل حر في اختياراته وفي الطريقة التي يسير بها حياته، لكن ما أؤمن به أن الاختيار مسئولية ونتيجة، ولا يستوى من أخذ مسئولية مضاعفة بمن أخذ مسئولية محدودة. بالطبع لا يكيل الحب بمثل هذه المقادير، لذلك تجد الجميع يحب أمه على المستوى الأساسي جدا إلا من كانت لهم تجارب مخالفة تماما من الصراع مع الأهل تولد مشاعر سلبية تغلب أحيانا على هذا الحب. لذلك اعتقد دائما أن هناك ما هو أكثر من الحب والتقدير لأقدمه لأمي، وهنا يأتي الإحساس بالتقصير والذنب.

مؤخرا يصيبني هاجس اقتراب النهاية، وما كان الأمر ليخطر في ذهني منذ عامين، فوجودها أمر حتمي أبدي، ليس هناك تصور استطيع أن استوعبه هي ليست جزء منه.
هنا أدرك أن الأم هي المحبوبة المفقودة. هي الدفء الذي لا ينقطع، والأمان الذي لا ينتهي. هي التفهم غير المشروط، والحب غير المنتظر لمقابل.
معها فقط أجد أن 
الحب كله نعيم لافيه عزول بينول ولا فيه حبيب محروم. 


هناك تعليق واحد:

  1. أشاركك الإحساس ذاته تجاه أمي و أبي. أحس أيضًا ان النهاية تقترب. لن أتحمل اليوم الذي تتوقف فيه أساور أمي الذهبية عن الرنين. أو اليوم الذي ينطلق فيه منبه أبي ليصلي الفجر بلا توقف.

    ردحذف